الذهبي

262

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

ويُحْكَى أنه كان دميماً قبيح المَنْظر ، فأتاه غريب يزوره ويأخذ عنه ، فلما رآه استزرى شكله ، ففهم الحريري ذلك منه ، فلما التمس أن يملي عليه ، قال اكتب : ما أنت أوَّل سارٍ غرَّهُ قمَرُ . . . ورائد أعجبته خضرة الدّمن فاختر لنفسك غيري إنني رجل . . . مثل المُعَيْدي فاسمع بي ولا ترني وكان الحريري من الأغنياء بالبصرة ، يقال : كان له ثمانية عشر ألف نخلة ، وقيل : كان قذراً في نفسه وشكله ولُبْسه ، قصيراً دميماً ، بخيلاً ، مولعاً بنتف لحيته ، فنهاه الأمير وتوعَّده على ذلك ، وكان كثير المجالسة له ، فبقي كالمُقيَّد لا يتجاسر أن يعبث بلحيته ، فتكلَّم في بعض الأيام بكلام أعجب الأمير ، فقال له : سلني ما شئت حتى أعطيك ، فقال : أقطعني لحيتي ، قال : قد فعلتُ ! وقال القاضي جابر بن هبة الله : قرأتُ " المقامات " على الحريري في سنة أربع عشرة ، وكنت أظنُّ أنَّ قوله : يا هل ذا المعنى وُقيتُم شرّا . . . ولا لقيتُم ما بقيتُم ضرّا قد دفع اللَّيل الذي اكفهرّا . . . إلى ذُراكم شعثًا مُعْبَرّا فقرأت " سغبًا معترّا " ففكر ثم قال : والله لقد أجدت في التصحيف وإنه لأجود فرُبَّ شعث مُغْبَر غير محتاج ، و " السغب المعتر " موضع الحاجة ، ولولا أني قد كتبت خطِّي إلى هذا اليوم على سبعمائة نسخة قُرئتْ عليّ لغيَّرته كما قلت . ومن لُغَز الحريري وأجاد : ميم موسى من نون نصر ففتش . . . أيّهاذا الأديب ماذا عنيتُ ميم : أي أصابه الموم ، وهو البرسام ، ويقال : هو أثر الجدري . والنون : السَّمكة ، يعني : أكل سمكة نصر فأصابه الموم . وله : باء بكر بلام ليلى فما ينف‍ . . . - ك منها إلا بعين وهاء البَكْر : الجَمَل ، وباء : أقر ، واللاَّمُ : الزرع ، فلازمته ليلى فما ينفك منها